على مشجب الشارع

حينما أتصفح مدونات أخرى –غير مدونتي بالطبع-، تبهرني القدرة الجميلة على كتابة
التفاصيل الصغيرة، القدرة على تدوين الحياة التي تعبر الشارع، الروائح التي تمتزج
مع الهواء، الألوان المشتبكة في الأفق، التمكن من الإمساك بوجوه امتلأ بها فيلم
شاهده صاحب المدونة ليلة البارحة، أو أغنية سمعها، أو حتى حوار دار على نافذة
نائية.


 

تعوزني دائما هذه الحياة التي تحرّك أطراف الكلمات، تنبت لها يدين بأصابع تتلمس
نتؤات الأشياء، تفتح لها عينين تطلان من خلال الكوى، وتتبرعم على زواياها أذنان
صغيرتان تلتقط فتات الصوت. لا أستطيع الكتابة عن حمامة تبني عشها على المئذنة،
بينما تقف الأخرى (ربما يكون من يجمع القش هو الذكر، وتلك الأخرى أنثى) ترتب القش
الذي يُجلب إليها. رغم أني تابعت المشهد لما يزيد عن العشر دقائق، وظللت مبتسمة
طوال تلك المدة التي كانت الحمامة تطير من وإلى صاحبتها، حتى تحركت السيارة، وغبتُ
عنها، وما بقي لي غير صورتهما في ذاكرة لا أثق بها كثيرا.


 

مرارا حاولت الكتابة عن موسيقى أغنية (إيزابيل)، وعن أربعة أصوات مذهلة تمسك
بحوّافها، حتى آمنتُ أني لن أستطيع أبدا.. وأنها ستتسرب من يدي ماء عذبا لا أقوى
على الإمساك به.

غير فشلي في الكتابة عن الموت الذي يحييه فيلم (21 غرام)، والثقوب التي لا تفتأ عن
التناسل بعد مشاهدته..


 

أريد أن أكتب عن أطفال نشروا الضوء على شرفتي وعلقوا على مشجبي وشاحا ملونا، عن
سلطان ومها على وجه الخصوص، هذين الملاكين اللذين حفا روحي ببياضهما، أريد أن أكتب
عن الحفل (الختامي) الذي تابعته من المقاعد الخلفية في أقصى القاعة المظلمة، بينما
سلطان ومها يبدوان لي من المسرح بعيديْن كما السماء.


 

أريد أن أكتب عن جدتي، جدتي التي كبرت كثيرا خلال عامين، جدتي التي حينما رأيتها
آخر مرة، قرأتُ في عينيها المنهكتيْن كامل الحكاية. ابتلعتُ دمعي، وهواجسي على خوف،
و انطفأ داخلي كل صوت.


 

أريد أن أكتب عن طرق طويلة، لا تؤدي إلى شيء..

وأبواب كثيرة تفتح جميعها على مكان واحد..


عن
أرض تحترف الجفاف..

ونثار قصائد لم تكتمل!

 

 

  • Digg
  • del.icio.us
  • Facebook
  • Google
  • Print this article!
  • Reddit
  • TwitThis

حكته هديلالرابط الثابتاحكي »

عوداً على بدء

6 حكوا لموضوع “على مشجب الشارع”

  1. Bahz Baih

    لقد كتبت و كتبت فابدعتى
    و لعلمك انت مش محتاجه تغوصى فى تفاصيل علشان تكونى مبدعه أحيانا التفاصيل بتبقى رخمه و برضه مش محتاجه انك تحلليلى الموقف السياسى و الاجتماعى و الثقافى علشان تكونى أجملتى

    انت محتاجه الصدق و ده بالضبط اللى انا حاسه فى المدونه دى

    فكونجراتيولاشنز :)

    Thursday, 25 May 2006 @ 11:40am

  2. Hadeel

    وماذا عن التفاصيل الصغيرة التي تخلق فينا حياة أخرى؟
    ألا تستحق ذاكرة مكتوبة ؟

    أما أنت فتستحق شكرا جزيلا على مرورك الجميل، سأتطلع لمرور مقبل .. كن بخير

    Saturday, 27 May 2006 @ 1:29am

  3. محمد الحضيف

    هديل ..

    مساؤك مفعم بالقبول.

    في مساء الاثنين 26 يوليو رحلت منيرة البراهيم الصالح الحضيف.. جدتك ياهديل، إلى حيث أنت ياهديل. رحلت خفيفة..من كل شيء، بوزنها الذي وصل إلى 25 كيلو. قبلها بليلة ياهديل، رأت إحدى قريباتنا رؤيا..
    رأتك وأنت في حالة ترقب، تمشين جيئة وذهابا، وعلى وجهك البشر. كنت تنتظرينها ..!

    هاقد جاءتك أمي ياهديل. أمي النقية الطاهرة الصابرة المصابرة،،
    يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما

    طوبى لكما من امرأتين .. أم و بنت

    Thursday, 29 July 2010 @ 1:23pm

  4. بشاير ..

    أحببتها ولم أعرفها ..!
    ليتني عرفتك قبل فوات الأوان ..
    يعلم الله انني بكيت على فراقك الموجع كما لو انني ابكي على شخص أعرفه حق المعرفه ..~
    رحمك الله ياهديل رحمة واسعه..

    Friday, 30 July 2010 @ 12:27pm

  5. حسين صديق الحكمي

    رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت ،،

    Saturday, 31 July 2010 @ 4:43pm

  6. ميمٌ مكسورة ( قدوتي هديل )

    آه يآربي

    آلمتموني كثيراً آل الحضيف

    و الله أن الدمعات تذرف تترى تترى

    رحمك الله يا هديل , رحمك الله يا جدة هديل

    عسى الله أن يفرغ على قلبك الصبر أستاذ محمد الحضيف

    و يجمعك بأحبابك في الجنة

    و نحن معكم

    يا كريم

    Monday, 2 August 2010 @ 3:21am

رأيك؟

في حال تصحيحك للتعليق، أو إضافتك عليه، سيتم دمج التعليقين في تعليق واحد. أما في حال عدم ظهور تعليقك بعد إضافته لأكثر من مرة؛ فأرجو مراسلتي على بريدي الموجود في صفحة (ربما عني).

خلاصة التعليقات على هذا الموضوعTrackBack URI

« الصفحة الرئيسية